طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

من سعد الحصيّن إلى أخي الكريم معالي الدّكتور غازي القصيبي وفقه الله لطاعته.

سلام عليكم و رحمة الله وبركاته.

أمّا بعد: فقد تأخّر استلامي لرسالتكم الكريمة المؤرّخة 18/11/1411 بسبب أن أكثر إقامتي الآن في سوريا بعد أزمة الخليج لا أعادها الله على المسلمين.. وبمناسبة عيد الأضحى أرجو الله لكم ولي وللمسلمين القبول من الله لصالح الأعمال و أن يهدينا لأقرب من هذا رشدا.

1) وواضح لي أنّ حكمك على الإخوة مبنيّ على فهمك لما قالوه في مواعظهم .. وحكمهم مبنيّ على فهمهم لما قلتَه في دواوين الشعر و صفحات المجلات و الجرائد و أخيراً رسالة الفاكس المزعومة جواباً على اعتراض محمد سعيد الطيّب.. و لكنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم أنكر على حبّه وابن حبّه أسامة ابن زيد رضي الله عنهما حكمه على فهمه لواقع نطق المشرك المقاتل لكلمة التّوحيد عندما علا السّيف هامته: "هلاّ كشفت عن قلبه".

2)لقد كتبت للشيخ/ سفر الحوالي اعتراضاً على أسلوب بيان النّصيحة لوليّ الأمر منذ وصول نسخة منه إليّ في سوريا.. وسمحت لنفسي بالتّفريق في الحكم على موقّعيه حسب انتمائهم للسّنّة أو للبدعة.. فقد ظهرت الحزبيّة [الإسلاميّة] (وأسلوب البيان من أساليبها)رغبة في السّلطة (باسم تحكيم شرع الله) بمنشوراتها وهجماتها المسلّحة ونشر خارطة في إحدى الصّحف العالميّة استبدل فيها اسم [دولة الإخوان المسلمين] لا الاسلام باسم الجمهوريّة العربيّة السّوريّة أثناء أحداث حماة لا أعادها الله على المسلمين.. وبخوضها الانتخابات مستقلّة أو متحالفة مع العلمانيّة ليحصل ممثلوها على مقعد في البرلمان بعد أن يقسم على الإخلاص للدّستور (المخالف لشرع الله) ووزارة العدل المتخصّصة في الحكم بغير ما أنزل الله ورئاسة البلديّة التي ترخّص أو تحدد ترخيص الخمّارات والكنائس وأوثان المقامات والأضرحة. وأكبر ظنّي أن دعاة السّنّة قد انساقوا خطأً إلى السّير في نهج الحزبيّة بتوقيعهم على البيان كما أخطأوا في انسياقهم إلى السّير في نهج الحزبيّة بتحليلاتهم السّياسية للأحداث في دروس الدّعوة الشّرعية وبالتّالي الخلط بين الظّنّ واليقين في العبادة.

3) سبق أن رحّبت برأيك أثناء الأحداث في (عرب نيوز) أو (سعودي كازيت) أو غيرها: أننا في المملكة لا نحتاج إلى المنحى الدّيموقراطي المعاصر فلنا اتّجاهنا المستقل.. وفهمت منه أننا محكومون بشرع الله الذي تميّزت المملكة بتأسيسها عليه..

إن صحّ فهمي فإننا لا نحتاج إلى انفصال مفتعل بين السّلطات وان تميّزت كلّ سلطة في النّهاية بدورها المشروع.. وإننا بالضرورة متفقان على ذلك.

ومع يقيني أن ما لقيصر هو لله من قبل ومن بعد.. فإن مرجع الشئون الدّينية الفقهاء ومرجع الشئون الدّنيوية الأمراء وأعوانهم من ذوي الاختصاصات.

خير مرحلة مرّت بها المملكة (في رأيي) دولة الأئمة الثلاثة محمد بن سعود وعبد العزيز بن محمد وسعود بن عبد العزيز رحمهم الله وكان مرجعهم في الأمور الشرعيّة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته؛ للفريق الأول السّلطة التّنفيذية الدّنيويّة وللفريق الثاني الحكم الشرعي والقضائي من الكتاب والسّنّة.. رحمهم الله جميعاً وجزاهم عنّا خير جزائه.

ثم جاءت مرحلة أكثر تعقيداً بما طرأ من تعقيد دنيوي وسار الملك عبد العزيز رحمه الله على نهج أجداده من الرّجوع إلى العلماء في كلّ أمر شرعي.. وبقي الحكم الشرعي والقضائي في أيدي العلماء.. وحدث اختلاف في هويّة بعض الأمور: أمن الجانب الدّيني أو الجانب الدنيوي؟ الاستعانة بالأجانب (أهل الكتاب) في استخراج البترول وبدرجة أقل: استعمال وسائل دنيوية جديدة مثل التلكراف والتلفون.. وقامت حرب بين بعض (الاخوان) وبين الملك.. ولم يقترب الخلاف بين العلماء وبين الملك إلى مثل هذا الدّرك ولله الحمد والمنّة.. فقد كان الرّجوع في الأمور الشرعية اليقينيّة إلى العلماء بلا منازع ومنها سلطة القضاء.. والتّنفيذ في يد الحكّام بلا منازع.

والخلاف بين رأس السّلطة وبين العلماء ليس بجديد فقد حدث في أول وأبرز مظاهره بين أبي بكر وبقية الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في قضية قتال مانعي الزكاة الذين يقرّون بالتّوحيد.. وخالف الحاكم رأي الجميع وكان الخير في ذلك.. وخالف الملك عبد العزيز أكثرية العلماء في قضية الاستعانة بالغربيّين في استخراج البترول (مع الفارق) وكان الخير في ذلك بمشيئة الله.. وأخرج مما تقدّم بأن على الحاكم الرّجوع إلى العلماء لبيان شرع الله والحكم به في القضايا اليقينية: العقيدة والعبادات والمنصوص عليه ممن المعاملات مثل الرّبا والحدود.. وللحاكم الاستقلال بالنّظر في القضايا الدنيوية التي لم يرد فيها نصّ بحلّ أو حرمة.. وعلى الحاكم استشارة العلماء في الأمور المشتبهة ثم الحكم بما أراه الله دون منازع.

4) في مسألة التّوحيد (وتوحيد الله بالعبادة خاصّة) لا مجال للتّسامح.. فقد ادى التّسامح في الماضي إلى عبادة الأوثان تقرّباً إلى الله: {ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى}. وطغت الأصنام على المسجد الحرام قبل فتح مكّة ثم طغت أوثان المقامات والأضرحة على أكثر بيوت الله وهي أوثان الجاهليّة الأولى نفسها ولكن مع فارق أن الأولين كانوا لا يتقرّبون بها إلى الله إلا في الرّخاء: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدّين}؛ أما الآخرون فيلجأون إليها في الرّخاء وفي الشدّة وما بينهما.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسامح (أو لنقل يتدرّج في النكير) مع من يتبوّل في المسجد ومن يستأذن في الزّنى ولكنّه لا يتسامح، ولم يشرع التّسامح، في أمر الشرك فقد صحّ عنه أنّه قال: " أجعلتني لله ندّاً؟" لمن قال له: "ما شاء الله وشئت".. وفي صحيح مسلم أنّه قال لخطيب الوفد: "بئس خطيب القوم أنت" لمن قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن(يعصهما) فقد غوى".. وقد تأخّر التّشريع في الخمر والزنى والربا وفي الصلاة والصوم والزّكاة وتقدّم الأمر بالتّوحيد والنّهي عن الشرك.

للزنى والربا والسرقة دوافعهما الغريزيّة التي توحي بحكمة التّدرج والتسامح بشأنها ولكن لا دوافع ولا موانع طبيعية تجيز شيئاً من ذلك بشأن التّوحيد والشرك.

وهذا يعني أن نسمّي الاشياء بأسمائها ولا يعني نفي الاحسان في الموعظة.. قبل إقامة الحجّة.

5) اعتراض على منهج الشيخ/ القرضاوي وبدرجة أكبر الشيخ الغزالي وبدرجة أكبر فهمي هويدي ومحمد عمارة هو اعتراض على (الفكر الاسلامي) بعامّة.. ولا اعتراض لي على الاجتهاد من أهله (مرة أخرى الفقهاء في الدّين) ولكن أعترض على الاجتهاد من غير أهله فيتفرّق المسلمون بتعدّد الأهواء.

نحن نحتكم إلى الكتاب وإلى السّنّة وإلى سبيل المؤمنين (وخاصّة من القرون الثلاثة الأول) في فهمهما.

لم أتّهم أحداً بتعمّد الخروج على الكتاب والسّنّة وإنّما أتّهم (المفكّرين الاسلاميين) بالخروج عن سبيل المؤمنين الأئمّة الأعلام في فهمهما حتى ردّ بعضهم الأحاديث الصّحيحة إذا خالفت فهمه القاصر للقرآن.. وإليك رسالة لجمال سلطان من خير ما كتب في الرّد على منهج الغزالي علّها توضّح الأمر أكثر.

6) لا يغرّنّك ما تقرأ من دعاوى (الباحثين المعاصرين) وأخصّ العرب عن نسبة الاجتهادات البشريّة في الفقه مقارنة بالنّصوص فدعاوى العرب من كلّ اختصاص عريضة لأن الرّوادع الدّينيّة والعقلية والخلقية ضعيفة جدّاً.. فنحن نعيش على هامش الحضارة الدّنيوية المعاصرة وعلى هامش الشّرع نجترّ بعض المصطلحات الشرعية أو المهنية محاولة في الحصول على المظهر إذا أعجزنا الكسل والتّخلّف الدّيني والدّنيوي عن المساهمة الحقيقيّة في القيادة الدّينية والدنيوية.

7) لا يمكن فصل النّصوص عن فهم السّلف الصالح لها، وكان لهم زمام العلوم الشرعية وما يؤدّي إليها، وكان لهم المركز الأول في القيادة الدّينيّة والدّنيوية.. وحتى المصالح المرسلة في المعاملات عند من أقرّ الحكم فيها حيث لا نصّ من أمر ولا نهي صريح لم تكن معزولة عن مفهوم وفقه النّصوص.

هدى الله الجميع لأقرب من هذا رشداً.. وردّهم إلى دينه ردّاً جميلاً.. وسدّد خطاهم حتى لا يكونوا ممن قال الله فيهم: {ومن يشاقق الرّسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونصله جهنّم وساءت مصيراً} ولا شكّ أنّ خير المؤمنين أئمة الهدى في القرون الثلاثة. وفقكم الله.

كتبه/ سعد الحصيّن